الأحد، 12 مايو 2013

مشكلة الإسراف
وعلاجه من منظور التربية الإسلامية


إشراف سعادة الدكتور / عيد بن حجيج الجهني

الباحث الطالب / علي عقيل الطويلعي

مقدمة :

الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ... أما بعد 
  اهتم الإسلام بالمسلم من جميع الجوانب كما اهتم بالحياة في جميع مجالاتها ولا سئما في مجال معالجة المشكلات والتي يندرج ضمنها المشكلات الاقتصادية والتي تحكمها قيم وسلوكيات و ضوابط شرعية مستنبطة من مصادر التشريع  الإسلامي ومن ذلك بيان الحلال والحرام والأولويات والاعتدال في الإنفاق والإسراف ووجود القدوة مع بيان حدود المسلم في الاستهلاك قال تعالى(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: ٣١)
 فالإنسان مطالب بالاعتدال والوسطية في كل أموره وشئونه يقول عز وجل : (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(القصص: ٧٧) 
للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدواناً  و متى قصَّرت عنه كان نقصاً و مهانة.........و للحرص حد :
و هو الكفاية في أمور الدنيا و حصول البلاغ منها فمتى نقص من ذلك كان مهانة و إضاعة و متى زاد عليه كان شَرَهًا و رغبة فيما لا تحمد الرغبة فيه ......وضابط


هذا كله العدل :
و هو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط و التفريط
([1])

ويختص هذه البحث ببيان الإسراف من منظور التربية الإسلامية وذلك في ضوء ما ورد بخصوص ذلك من مصادر الشريعة الإسلامية
والبعد عن الإسراف هو ألاعتدال و التوسط او التوازن او الاقتصاد في جميع  الأمور و يتحقق عندما ينفق المسلم دون إسراف أو تقتير قال تعالى: ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا )( الإسراء:29)
والبعد عن الإسراف خلق ينبغي أن يتحلى به المسلم في كل جوانب حياته من عبادة وعمل وإنفاق في مأكل او مشرب او غير ذلك وفق ضوابط حددها الإسلام بقيم تحكم شتى مجالات الحياة ومن ذلك الوسطية وسطية الإسلام التي تعيد إلينا الاعتدال و التوازن الفكري والبيئي والنفسي والمعيشي الذي ينعكس على الاستهلاك  قال تعالى:
   (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )       (البقرة: ١٤٣ )

ولقد أولت التربية الإسلامية العناية الفائقة لتربية الاقتصادية وهذا البحث سيتناول جانب البعد عن الإسراف من منظور التربية الإسلامية.


أسئلة البحث : 

يحاول البحث أن يجيب عن السؤال الرئيس التالي :
ما الإسراف وما أسبابه ؟ وما سبل علاجه من منظور التربية الإسلامية ؟
    ويتفرع من هذا السؤال الأسئلة الفرعية التالية:
1 /   ما مفهوم الإسراف ؟
2/  ما الأسباب التي تؤدي إلى الإسراف ؟
3/ ما هي صور الإسراف في المجتمع
4/   كيف تعالج التربية الإسلامية الإسراف ؟

أهداف البحث : 
   يحاول البحث أن يحقق الأهداف التالية :
1-   التعرف على الأسباب التي تؤدي للإسراف.
2-   بيان الآثار السلبية الإسراف على الفرد و المجتمع.
3-   أساليب علاج الإسراف من منظور التربية الإسلامية .


أهمية البحث :
تنبع أهمية الدراسة من النقاط التالية:
1/أهمية تحديد أسباب الإسراف.
2/الآثار السلبية للإسراف على المجتمع.
3/توعية أفراد المجتمع بأضرار الإسراف على الفرد والمجتمع .
4 /بذل جهد خلال هذا البحث في خدمة المجتمع وقضاياه المعاصرة
   
منهج البحث : 
  سيستخدم الباحث – بإذن الله تعالى وتوفيقه –  في هذه الدراسة المنهج الوصفي والذي عرّف بأنه : " كل منهج يرتبط بظاهرة معاصرة بقصد وصفها وتفسيرها ".     ولا يقتصر البحث على جمع البيانات وإنما تبويبها وتفسيرها وإيجاد الحلول المناسبة لها على ضوء التربية الإسلامية  من وجهة نظر الباحث .
مصطلحات البحث :
الاسراف :


سرف : السرف والإسراف : مجاوزة القصد . وأسرف في ماله : عجل من غير قصد ، وأما السرف الذي نهى الله عنه ، فهو ما أنفق في غير طاعة الله ، قليلا كان أو كثيرا . والإسراف في النفقة : التبذير . وقوله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا قال سفيان : لم يسرفوا أي لم يضعوه في غير موضعه ولم يقتروا لم : ولا تسرفوا الإسراف أكل ما لا يحل أكله ، وقيل : هو مجاوزة القصد.


الفصل الأول :

المال من نعم الله على العباد  وهو نوع من أنواع الزينة في هذه الحياة الدنيا: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (الكهف:46) .
وكما أمر الله تعالى أن يكتسب العباد أموالهم من حلال طيب كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً) (البقرة: من الآية168).
فإنه نهاهم عن إضاعة المال وإعطائه السفهاء فتفوت بذلك مصالح كثيرة:(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: من الآية5).
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : " إن الله كره لكم ثلاثا "، ذكر منها "إضاعة المال".
ومن صور إضاعة المال الإسراف ومن هنا يجب على الباحث بيان
المعنى اللغوي والشرعي للإسراف

المعني اللغوي والشرعي للإسراف:
جاء في القاموس المحيط ما مُختصره(:([2]
هو من الإسْراف والتَّبذير في النَّفقة لغير حاجةٍ أو في غير طاعة الله والغالبُ على ذِكره الإكثارُ من الذنوب والخطايا، واحْتقاب الأوزار والآثام



وقال ابن منظور في اللسان([3]):
"السَّرَف والإسراف: مجاوزة القصد، وأسرَف في ماله: عجل من غير قصدٍ، وأمَّا السَّرَف الذي نَهى الله عنه، فهو ما أُنْفِق في غير طاعة الله؛ قليلاً كان أو كثيرًا، والإسراف في النفقة: التبذير...، وقيل: هو مجاوزة القصد

أمَّا التعريف الشرعي للإسراف، فقال الحافظ ابن حجر في تعريف الإسراف هو: "مجاوزة الحد في كل فِعل أو قولٍ، وهو في الإنفاق أشهر"([4])

ويتبيَّن لنا مما سبَق أنَّ المعنى اللغوي لا يختلف كثيرًا عن المعنى الشرعي، فهو أيضًا مُجاوَزة الحد في إنفاق المال وغيره.

وأمَّا التبذير فقد جاء في اللسان  ما مختصره([5]:(
"قيل: من البذر الذي هو الزرع، وهو راجع إلى التفريق...، وبذر ماله: أفسَده وأنفقَه في السَّرَف،...، وتبذير المال: تفريقه إسرافًا "

أما معناه الشرعي، فقد قال القرطبي في تفسيره(:([6]
"قال الشافعي: التبذير إنفاق المال في غير حقِّه، ولا تبذير في عمل الخير، وهذا قول الجمهور، وقال أشْهَب عن مالك: التبذير هو: أخْذ المال من حقِّه ووَضْعه في غير حقِّه، وهو الإسراف"

وجاء في آداب الدين والدنيا "  واعْلَم أنَّ السرف والتبذير قد يَفترق معناهما، فالسرف: هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير: هو الجهل بمواقع الحقوق، وكلاهما مذموم، وذَمُّ التبذير أعظم؛ لأن المسرف يُخطئ في الزيادة، والمُبذِّر يُخطئ في الجهل" (ص299)

والإسراف: كما يكون من الغني، فقد يكون من الفقير أيضًا؛ لأنه أمر نسبي... والإسراف يكون تارة بالقدر، وتارة بالكيفية، ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله: ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف، وإن كان قليلاً ([7])

وكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «من أنفق درهمًا في غير حقه فهو سرف»([8]).


وبعد البيان اللُّغوي والشَّرْعي للإسراف ينبغي بيان إن الإسراف من الأمراض التي انتشَرتْ بين المسلمين في زماننا هذا وإن لَم يُعالج من الوجه الشرعي فإنَّ أضراره في الدين والدنيا على الأفراد والجماعات كما سوف نُبيِّن في هذا البحث.


الفصل الثاني :

للإسراف أسباب توقع فيه وتؤدي إليه ونذكر منها ([9]) :
1- جهل المسرف بتعاليم الدين الذي ينهى عن الإسراف بشتى صوره، فلو كان المسرف مطلعًا على القرآن الكريم والسنة النبوية لما اتصف الإسراف الذي نهي عنه }وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ{ [الأعراف: 31]. فعاقبة المسرف في الدنيا الحسرة والندامة }وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا{ [الإسراء: 29].
وفي الآخرة العقاب الأليم والعذاب الشديد }وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ{ [الواقعة: 41-45]، ومن نتيجة جهل المسرف بتعاليم الدين مجاوزة الحد في تناول المباحات مما يؤدي به إلي الإسراف.

2- النشأة ([10])في أسرة حالها الإسراف فما يكون منه سوى الاقتداء والتأسى.
ولعلنا بهذا ندرك شيئًا من أسرار دعوة الإسلام وتأكيده على ضرورة اتصاف الزوجين والتزامهما بشرع الله وهديه. قال تعالى: }وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{
[النور: 32]..
3- الغفلة عن طبيعة الحياة الدنيا وما ينبغي أن تكون عليها ذلك أن طبيعة الحياة الدنيا أنها لا تثبت ولا تستقر على حال واحدة والواجب يقتضي أن نضع النعمة في موضعها وندخر ما يفيض عن حاجتنا الضرورية اليوم من مال وصحة إلى وقت آخر.
4- السعة بعد الضيق وقد يكون الإسراف سببه السعة بعد الضيق أو اليسر بعد العسر  ذلك أن كثيرًا من الناس قد يعيشون في ضيق أو حرمان أو شدة أو عسر فإذا هم صابرون محتسبون وقد يحدث أن تتبدل الأحوال فتكون السعة بعد الضيق أو اليسر بعد العسر وحينئذ يصعب على هذا الصنف من الناس التوسط أو الاعتدال فينقلب على النقيض تمامًا فيكون الإسراف والتبذير.

5- صحبة المسرفين وقد يكون السبب في الإسراف إنما هو صحبة المسرفين ومخالطتهم ذلك أن الإنسان غالبًا ما يتخلق بأخلاق صاحبه وخليله
6- حب الظهور والتباهي ([11]): وقد يكون الإسراف سببه حب الشهرة والتباهي أمام الناس رياء وسمعة والتعالي عليهم، فيظهر لهم أنه سخي وجواد، فينال ثناءهم ومدحهم، لذا ينفق أمواله في كل حين وبأي حال، ولا يهمه أنه أضاع أمواله وارتكب ما حرم الله.
7- المحاكاة والتقليد وقد يكون سبب الإسراف محاكاة الآخرين وتقليدهم حتى لا يوصف بالبخل، فينفق أمواله كيفما كان من غير تبصر أو نظر في العاقبة التي سينتهي إليها ([12]).
8- الغفلة عن الآثار المترتبة على الإسراف والتبذير وقد يكون السبب في الإسراف والتبذير إنما هو الغفلة عن الآثار المترتبة عليهما، ذلك أن للإسراف آثارًا ضارة


لا شك أن هناك العديد من النتائج والآثار السيئة المترتبة على شيوع ظاهرة الإسراف والتبذير، ومن ذلك([13]):
1- الإسراف خطر على العقيدة: الإسراف يرفع مستوى معيشة الفرد والأسرة رفعًا كاذبًا يفوق الدخل الحقيقي المستمر، ثم لا تكاد المكاسب الجانبية تزول ولا يبقى سوى الدخل الحقيقي، حتى يلجأ كثير من المسرفين إلى طرق شريفة وغير شريفة لاستمرار التدفق النقدي وتحقيق المستوى العالي من الإنفاق الذي اعتادوه فتمتد اليد بشكل أو بآخر، فيقعوا تحت وطأة الكسب الحرام، ذلك أن المسرف قد تضيق به أو تنتهي به موارده، فيضطر تلبية وحفاظًا على حياة الترف والنعيم التي ألفها إلى الوقوع في الكسب الحرام، وقد جاء في الحديث: «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به»([14]).
2- الإسراف نوع من التسرع والتهور: الإسراف نوع من التهور والتسرع وعدم التبصر بعواقب الأمور، وقد يكون دليلاً على الاستهتار وعدم الحكمة في تحمل المسئولية وكل ذلك يؤدي إلى وخيم العواقب وسيئ النتائج فهو يقتل حيوية الأمة ويدي بها إلى البوار والفساد ويملأ القلوب حقدًا وضغينة ويقضي على حياة الأمن والاستقرار كما أن فيه كسرًا لنفوس الفقراء وبطرًا لأهل الغنى ([15]).
3- الإسراف ودواعي الشر والإثم: فالسرف داع إلى أنواع كثيرة من الشر؛ لأنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويشغلها عن الطاعات، كما أنه يحرك الغرائز الساكنة أو الكامنة في هذه النفس، وحينئذ لا يؤمن على الفرد من الوقوع في الإثم والمعصية. فالشيطان أعظم ما يتحكم في الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محال، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»([16]).
4- الإسراف وتأثير على البيئة: يعد الإسراف سببًا رئيسًا من أسباب تدهور البيئة واستنزاف مواردها. وهو وإن كان متعدد الصور والأساليب، إلا أنه يؤدي بشكل عام إلى نتيجة واحدة: إهلاك الحرث والنسل، وتدمير التوازن البيئي ([17]).
5- الترف والدعوة إلى النعومة والليونة: يؤدي الترف إلى النعومة والليونة، التي تدفع الناس إلى الرذائل، وتقعد بهم عن الجهاد والتضحية، وفي ذلك أعظم الخطر على الأمة.
6- التبذير والهوى: التبذير مما يأمر به الهوى وينهى عنه العقل، وأحسن الأدب في هذا تأديب الحق سبحانه حين قال: }وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا{ [الإسراف: 26].
فالإنسان قد يعطى رزق شهر في يوم، فإذا بذر فيه بقي شهرًا يعاني البلاء، وإذا دبر منه عاش شهرًا طيب النفس.
7- عدم الرعاية والاهتمام بالآخرين: ذلك أن الإنسان لا يراعي الآخرين ولا يهتم بهم غالبًا، إلا إذا أضناه التعب وغصته الحاجة
الفصل الثالث :
سبل العلاج المقترحة
 إن علاج مشكلة كهذه لا بد أن يتصدى لها المجتمع بجميع مؤسساته التربوية والمؤسسات ذات القرار في أي بلد إنها عملية تعاونية تكاملية بين مؤسسات المجتمع المختلفة كي يصل الأمر إلى ما يحمد عقباه ، وهنا يوضح الباحث بعض الحلول التي قد تحد من المشكلة
إن الإسراف من السلوكيات الاستهلاكية الخطيرة التي دخلت حياة الناس فهناك التنويع في الأطعمة في الدعوات العامة والمناسبات وولائم الأعراس التي تكلف أموالاً كثيرة والولائم المخصصة في حالات الوفاة.
وحتى في رمضان تزداد مصروفات الأسر بسبب الإسراف
وقد ورد عن عمر بن الخطاب t: إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد عن الأشر، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة، وإن امرأً لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
وقديمًا قال علي بن أبي طالب t كلمته المشهورة: ما جاع فقير إلا بما تمتع غني
وذات يوم أوقف الفاروق عمر بن الخطاب t ابنه عبد الله (وقيل: جابر بن عبد الله) y وسأله: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال عبد الله: للسوق. فقال الفاروق له: لماذا؟! فأجاب: لأشتري لحمًا، وبرر ذلك الشراء، بأنه اشتهى لحمًا فخرج للسوق ليشتري بعضًا منه، فقال له الفاروق: أكلما اشتهيت شيئًا اشتريته.
إنها حكمة اقتصادية خالدة، وقاعدة استهلاكية رشيدة خاصة ونحن نشهد في أيامنا هذه سباقًا محمومًا يترافق معه أساليب تسويقية جديدة، وأساليب إعلانية مثيرة، ووسائل إعلامية جذابة، ودعايات كثيفة من أجل الشراء والمزيد منه


معالجة ظاهرة الإسراف والتبذير

بعد أن وضَّحنا تعريف الإسراف واسبابه المختلفة وأضراره في الدين والدنيا، فمن المنطقي أن يكون الختام هو بيان وسائل علاجه على مستوى الأفراد والجماعات
ولذلك البعد عن الإسراف خلق ينبغي أن يتحلى به المسلم في كل جوانب حياته من عبادة وعمل وإنفاق في مأكل او مشرب او غير ذلك وفق ضوابط حددها الإسلام بقيم تحكم شتى مجالات الحياة ومن ذلك الوسطية وسطية الإسلام التي تعيد إلينا الاعتدال و التوازن الفكري والبيئي والنفسي والمعيشي الذي ينعكس على الاستهلاك قال تعالى :               
 (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: ١٤٣ )
الإسلام ينهى عن التقتير كما ينهى عن الإسراف وقد حدد القرآن الكريم والسنة النبوية استهلاك المسلم بما لا يوصف بالإسراف والتبذير بحيث تنضبط بمنهج رسول الله r القدوة الحسنة.
ومن ثم فينبغي على المسلم الالتزام بالاستهلاك في حدود الوسط والاعتدال و تجنب الفخر والخيلاء و الابتعاد عن الحرام ترشيد وتنظيم الاستهلاك.
قال تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا{ [الفرقان: 67].
و قال تعالى: }وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ{ [الأنعام: 141].
 وقال عز وجل: }وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ{ [الإسراء: 26، 27].
وقال رسول الله r: «إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم، الذين يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب، فيتشدقون بالكلام».([18] )
وقوله u: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة» ([19]).

والتبذير أشد من الإسراف فهو مغالاة وتجاوز للحد المعروف وتوسع في الإنفاق المحرم على المعاصي والشهوات المنكرة.
وبذلك يكون المسلم متوازنًا بين مصالح الدين والدنيا والروح والمادة فالنهي عن الترف والإسراف والتبذير لا يعني الدعوة إلى البخل والشح والتقتير إنما يعني الدعوة إلى الاعتدال لما لذلك من آثار إيجابية على الفرد والمجتمع فإذا كان البخل يقود إلى نقص الميل للاستهلاك فإن الترف والإسراف يقودان إلى تبديد الموارد وإتلافها وكلاهما آفة.

وسائل علاج الإسراف في الدين والدنيا:[20]

الوسيلة الأولى: القناعة الذاتية في المعيشة والإنفاق:

هذه الوسيلة تَنبع من المسلم وقوَّة إيمانه سلبًا وإيجابًا، دون إكراه أو ضغوطٍ، وهي دليل على حبِّ العبد ومراقبته لله تعالى، وابتغاء مَرضاته؛ يَجعله يَلتزم بالمنهج الشرعي الذي يأمره بالزُّهد والتقشُّف، ولا يُحَرِّم عليه التمتُّع بالطيِّبات من الرزق، ما دام لا يَخرج به عن حدِّ الاعتدال غير المرغوب فيه؛ قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ ]القصص: 77[

ومن أهم الأسباب المؤدِّية إلى الهموم والغموم التي تُصيب كثيرًا من بيوت المسلمين عدم القناعة بما أعطاهم الله والتفاخُر بينهم في الإنفاق



الوسيلة الثانيةاستغلال وسائل الإعلام المختلفة للتوجيه والإرشاد:

وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية في زماننا هذا - لها تأثير عظيمٌ على سلوكيَّات أفراد الأُمة وينبغي لِمَن في يده إدارة هذه الوسائل أن يوجِّهها لحلِّ مشاكل المجتمع ومشكلة الإسراف منها

الوسيلةالثالثة: عقاب المسرفين والمبذرين بالحَجْر عليهم:

أباحَت الشريعة الحَجْرَ على السُّفهاء من المسرفين والمبذِّرين على المستوى الفردي والجماعي؛ حفظًا للمال العام والخاص؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ ]النساء: 5[

نستأنس بما كان رسول الله r يربي أصحابه عليه، ومن ذلك( [21]):

أ- التربية على أن الغنى غنى النفس: جاء في حديث أبي ذر t، قول رسول الله r له: «أترى كثرة المال هو الغنى؟» قال أبو ذر: نعم، «وترى قلة المال هو الفقر؟» قال أبو ذر: نعم، فقال رسول الله r: «إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب» [حديث صحيح]. ومعنى ذلك عدم تقبل المال من كل سبيل، وعدم إنفاقه في كل سبيل وبأي مقدار.
ب- التربية على العمل وكسب العيش: جاء في حديث أبي سعيد الخدري t قال: إن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله r فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله» [رواه البخاري]. ومعنى ذلك أن الوسائل النفسية المهمة: التعفف، والاستغناء، والصبر.
جـ- التربية على الاعتماد الذاتي والاكتفاء بالدخل الشخصي: جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قول رسول الله r: «فراش للرجل وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان» [رواه مسلم] ومعنى ذلك تقليل المصروفات، حتى لا يحتاج المرء إلى الاستدانة من الآخرين، وليكتفي ذاتيًّا بما عنده.
د- التربية على العطاء، جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قول رسول الله: «اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة» ([22]).
ومعنى ذلك رفع المستوى الاقتصادي للمجتمع، بحيث يكثر فيه المعطون، ويقل فيه الآخذون.
هذه أهم معالم التربية الاقتصادية التي نشأ رسول الله r أصحابه عليها، ورباهم على الأخذ بها ودعاهم إلى سلوكها فآتت ثمارها على الصحابة رضوان الله عليهم وعلى المجتمع المسلم وكان لها صداها في مجال الدعوة إلى الإسلام.
وحري بنا نحن أن نقتدي برسولنا r ونتمثل تلك المعالم التربوية سلوكًا واقعيًّا وعمليًّا.
إن على المسلمين أن يحجموا عن أي نمط سلوكي يدمر هذه القيم والمعالم والآداب فأي نفقة بنية التباهي أو إظهار الأبهة أو الخيلاء لابد وأن يكون من شأنها توسيع الحقوق الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء في المجتمع المسلم الواحد.
إن نمط الإنفاق السليم والمتفق مع الآداب الشرعية هو ذلك الذي يحكي البساطة والتواضع والاعتدال ولا يعني ذلك عزوف المسلمين عن الاستفادة من دخلهم أو من الموارد التي امتن الله ها عليهم لسد حاجاتهم أو عن تزويد أنفسهم بأسباب الراحة.
لكن الإسلام يتطلب إعطاء الاستهلاك جدوى وجودة أعظم، كما يأمر بتجنب أسلوب الحياة القائم على الغرور والخداع، لإشباع الميل الشديد إلى تقليد الآخرين.
إن المنافسة غير الصحية على والمصحوبة بعدد من العادات ولا سيما بمناسبات الزواج، إنما تؤدي إلى الإنفاق المفرط الذي يتم تمويله إما بتعطيل استثمار ما سبق إدخاره أو بمنع ادخار المستقبل ولا تلبث العدوى أن تصيب كل المناخ الاجتماعي.
إن المسلم مطالب بالاعتدال والتوازن والابتعاد عن كل مظاهر الفساد والترف والإسراف والتبذير آفات المجتمعات.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين.






المراجع :

الفيروزآبادي  القاموس المحيط
ابن منظور  لسان العرب
الراغب الأصفهاني  المفردات في غريب القرآن
ابن حجر العسقلاني،  فتح الباري
تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن
الأمام شمس الدين ابن القيم الجوزية   الفوائد
الإسراف وضرره على الأفراد والجماعات     سيد مبارك

زيد بن محمد الرماني ـ الإسراف والتبذير















[1] الأمام شمس الدين ابن القيم الجوزية   الفوائد   دار الريان للتراث   الطبعة الأولى  1407هـ  ص 192 ـ 194
[2] الفيروزآبادي  القاموس المحيط ج (4/156).

[3] ابن منظور  لسان العرب ج (11/48).
[4] : ابن حجر العسقلاني،  فتح الباري؛ كتاب اللباس (16/ 323)، شرح قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ[الأعراف: 32].
[5] مرجع سابق
[6] تفسير القرطبي المعروف بالجامع لأحكام القرآن (10/ 247)
[7] الراغب الأصفهاني - المفردات في غريب القرآن ص (230).
[8] القرطبي-الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي، القاهرة، (1987م)، ج (13/72).
[9] زيد بن محمد الرماني ـ الإسراف والتبذير

([10]) جريدة الجزيرة «أين التربية الاقتصادية؟» «لا تعودوهم على الإسراف»، حوار ع(7046)، (9/7/1412هـ) ص(9).
([11]) جريدة المدينة «الإسراف والتبذير في المناسبات»، تحقيق، ع(8979)، (9/6/1412هـ) ص(2).
([12]) مجلة الدعوة «الإسراف والتبذير من المسئول»، تحقيق ع(1250)، (27،12/1410هـ) ص(20-23).
([13] مرجع سابق
([14]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، ج(1/37).
([15])حمد الجنيدل - نظرية التملك في الإسلام، مؤسسة الرسالة، بيروت (1403هـ) ص(81).
([16]) رواه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في كراهية الأكل رقم (2381)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أيضًا ابن حبان وابن ماجه والحاكم وصححه الذهبي. ينظر: ابن الأثير، جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة الحلواني، بيروت (1391هـ)، ج(7/410).
([17]) محمد عبد القادر الفقي - «الإسراف وتأثيره على البيئة»، ص(51).
[18] حديث صحيح، أخرجه أحمد والحاكم
[19] حديث حسن أخرجه أحمد والنسائي
[20] الإسراف وضرره على الأفراد والجماعات  سيد مبارك

[21]  زيد بن محمد الرماني ـ الإسراف والتبذير
[22] رواه مسلم